لا معبود بحقّ سواه.وبكلِّ حال فشعائر الحجّ جملةً وتفصيلاً توحيدٌ لله تعالى وإفرادٌ له بالعبادة وأنه المعبودُ بحقّ.2- ومن معالم الحج: تعميق جانب مخالفة المشركين، ومن وجوه ذلك أنّ المشركين يشركون في تلبيتهم بقولهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملكت؛ فالمسلم الموحد يتبرَّأ من هذا الإشراك في التلبية، فيفرد ربه بالتوحيد ملبيًا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وإذا كان المشركون يحلقون رؤوسهم تقربا لأصنامهم ولأوليائهم، فالموحِّد يحلق شعره تعبُّدًا لله واقتداءً بنبيه ×، وإذا كان المشركون يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس فمن مخالفتهم الدفع بعد غروبها، وإذا كان المشركون يدفعون من مزدلفة بعد ارتفاع الشمس فالدفع قبل ذلك من مخالفتهم.3- ومن معالم الحج: تعميق الافتقار إلى الله تعالى وأنه هو الغني الحميد، وأن العباد محتاجون إليه مفتقرون إليه. ﴿ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ﴾. ومن أسباب تحقيق هذا الاعتقاد في نفس الحاج إذا تذكر أن هذا البيت قد حجه الأنبياء والصديقون والشهداء والأتقياء، وكلهم فقراء إلى الله يرجون رحمته ويخافون عقابه؛ جاؤوا إلى أداء مناسكهم بقلوب خاشعة وأعين دامعة وألسنة ذاكرة، إذا تذكر أولئك الصفوة من خلق الله وتلك الثلة المقدمة في الورع والتقى زاد افتقارا إلى الله وإلحاحا في الدعاء واستكانة وتضرعا بأقواله وأفعاله.4- ومن معالم الحج: تحقيق الاتِّباع والاستسلام لما جاء عن الله تعالى ورسوله ×، ومن أمثلة ذلك: تقبيل الحجر الأسود، فهو حجرٌ لا يضرّ ولا ينفع نفسه فضلاً عن أن ينفع غيره، ولكن لما
كان تقبيله من الأمر المشروع استجابةً لقول الله تعالى: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾، وقوله ×: «خذوا عنِّي مناسككم» ترى المسلمين يتسابقون إلى تقبيله انقيادًا واتِّباعًا.5- ومن معالم الحج: تفويض الأمور كلّها إلى الله تعالى، وأنّ العبد مهما بلغ في القوة وكثرة الأموال والخدم فلا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ومن ظهور ذلك في الحجّ قول الحاجّ عند إحرامه: «فإن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستني»، فهو يعترف باحتمال وقوع ما يمنعه من الحجّ، ويعترف أنه لا ملجأ من الله إلاّ إلى الله.6- ومن معالم الحج: تقوية جانب حُسن الظنّ بالله تعالى وعدم اليأس وتذكّر سعة رحمة الله تعالى، ومن شواهد ذلك في الحجّ عند السعي بين الصفا والمروة وتذكّر حال خبر إبراهيم ؛ عندما وضع إسماعيل ؛ وهو طفلٌ رضيع مع أمِّه هاجر في هذا الموطن ولم يكن ثمّة ماءٌ ولا زرع، ومع ذلك لم تيأس هاجر من رحمة الله تعالى، بل أخذت في الذهاب والإياب راجيةً مؤمِّلةً بالله؛ فكان ما جاء من خبرها مع نبع زمزم.7- ومن معالم الحج: تعظيم شأن الله تعالى؛ فإذا رأى المسلم تلك الجُموع الكثيرة المختلفة في لهجاتها ومطالبها وعلم أنّ الله يعلم سرَّهم وعلنهم ويرى أشخاصهم ويسمع كلامهم، ثمَّ تذكّر أنّ هذا الجمع لا يُذكر عند جمع الحشر الأكبر، ومع ذلك كلّه: ﴿ ما خلقكم ولا بعثُكم إلاّ كنفس واحدة ﴾، إذا استحضر المسلم تلك الأمور زاد لله تعظيمًا وله حبًّا ومنه خشيةً.8- ومن معالم الحج: ترسيخ المعتقد في أن البقاء الأزلي لله رب العالمين، فإذا تذكر الحاج أن هذا البيت قد حجه أمم كثيرة من السابقين وسيحجه أمم من اللاحقين، وقد مات السابقون وسيتبعهم اللاحقون، ويبقى الله الحي لا يموت "كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" "كل شيء هالك إلا وجهه" إذا تذكر العبد هذا زاد لله تعظيما، فلا إله إلا الله ما أعظم شأنه وما أعز سلطانه.9- ومن معالم الحج: تعميق وترسيخ مبدأ الاتباع في أداء العبادات، وإن صحة العبادة مرهونة بالإخلاص والاتباع. قال النبي ×: «خذوا عني مناسككم» أخرجه مسلم. وقال جابر: «لمّا علم الناس أنّ النبيَّ × سيحج في عامه ذاك قَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثير كلهم يريد أن يأتمَّ برسول الله ×».ولو حقّق هذا المبدأَ جميعُ المسلمين لزالت تلك البدع العقدية والتعبدية التي يقع فيها كثيرٌ من الحجَّاج في مناسكهم خاصة وفي غيرها عامَّة، فما تلك البدع التي شبَّت وشابت ورسخت في نفوس كثير من المسلمين إلا بسبب بُعدهم عن سنة نبيهم ×، ولذا كان من شفقته × أن حذّر الحجَّاج الذين كانوا معه من تجاوز أمره، فقال × وهو ممسك بجمراته في يده: «أيها الناس، بمثل هذه فارموا، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين» أخرجه مسلم. وتحذيره هذا لعامة الأمة؛ ولذا لمّا خالف بعضُ المسلمين تحذيره في هذا الجزء من الحجّ وقعوا في الغلو؛ فبعضهم يرمي الجمرة بالأحجار الكبيرة، وبعضهم بالنِّعال! وبعضهم بالأخشاب والحديد! وهذا من غلوّ الأفعال، وأمَّا غلوّ الأقوال فما يُصاحب رميَهم ذاك من لعن الشيطان والتوعُّد له أثناء الرمي، ولم يعلموا أنهم بفعلهم ذلك يُسخطون الرحمن ويُرضون الشيطان.10-ومن معالم الحج: إلغاء الفوارق في الظاهر ليحرص الناس على صلاح الباطن، يشترك جميع الحجيج في لباس واحد وموقف واحد وعبارة واحدة، فلا تفاضل في الأنساب ولا في الأحساب ولا في كثرة المال والولد، إنما التفاضل بالتقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فمن كان لله أتقى كان هو المقدم ولو كان أقل نسبا ومالا وولدا، ومن كان عن تقوى الله أبعد كان هو المؤخر ولو كان أرفعهم نسبا وأكثرهم مالا وولدًا.11-ومن معالم الحج: استشعار سماحة الإسلام وتحقيق التأمُّل في: ﴿ يريد الله بكم اليُسر
ولا يريد بكم العُسر ﴾، ومن شواهد ظهور ذلك: الاشتراط عند الإحرام، وقوله × لمن قدّم
أو أخّر شيئًا من أفعال يوم العيد: «افعل ولا حرج»، وتقديم الضعَفَة للرمي.12-ومن معالم الحج: تعظيم شأن الرِّفق وأنّ التدافع والعجلة في الأمور تُفسد ولا تُصلح، ولذا كان × يُشير إلى الناس بيده عند تدافعهم ويقول: «السكينةَ السكينةَ»، فالمقام مقام تعبُّد لله تعالى، والعجلة وعدم السكينة يُفقد المتعبِّد كثيرًا من ثمار العبادة، هذا إن سلِمَ من وقوعه في الخطأ بل الإثم بسبب عجلته.13-ومن معالم الحج: عظيم شأن النعم والعناية بحمد الله تعالى وشكره عليها، ويظهر ذلك الأمر بجلاء في الحجّ باجتماع هذا العدد الكثير من الناس يظهر كثيرٌ من التفاضل في نعم الله بينهم؛ فإذا رأيتَ من أصيب بدنُه بعاهة وأنت معافىً فاحمد الله تعالى، وإذا رأيتَ من يمدّ يده إلى الناس وقد أغناك الله بفضله فاحمد الله تعالى واشكره، وأعظمُ من ذلك إذا رأيت من قد تلوَّث بباطل في عقيدته فاحمد الله تعالى واشكره وسلهُ الثبات على المعتقد السليم.14-ومن معالم الحج: عند رؤية الفقراء تذكر نعمة الاستغناء عن سؤال الناس، فيزداد العبدُ حمدًا لله على أن أغناه عن سؤال الناس، وفي المقابل أيضًا يجتهد في تقديم ما يستطيع من العون للفقراء ولو كان يسيرًا، وذلك من باب: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يره ﴾، ومن باب قوله ×: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا».15-ومن معالم الحج: الترتيب والتنظيم في أداء العبادة وعدم الفوضوية في ذلك، فانتقال الحاج بين المشاعر بترتيب، ومواقف نهارية وليلية بترتيب، والترتيب في رمي الجمار وما يصاحب ذلك من عدد الرمي وموقف الدعاء، كل ذلك وغيره يعين على العناية بترتيب أمور حياته وعدم الفوضوية والعشوائية فيها. ذلك لأن ترتيب شئونه يعينه بعد فضل الله على حفظ أوقاته وقضاء حوائجه وتفقد أخطائه.16-ومن معالم الحج: استشعار نعمة التعلّم والعلم ولزوم هذا المسلك، وممّا يزيد ذلك بعثًا في النفوس إذا رأى المسلم أنّ كثيرًا من الحجَّاج ــ شيبًا وشبابًا ــ ممّن يقعون في مخالفات عقدية وأخرى فقهية في أمور المناسك... كما أنّ عليه عند رؤية أولئك أن يبذل جهده في الترفّق بهم في تعليمهم وإرشادهم، فذلك منه من باب شكر الله تعالى على نعمة تعلّمه العلم.17-ومن معالم الحج: العناية بنشر العلم؛ فذلك أكثر اتِّساعًا في دائرة الخير؛ لأنّ مجامع الناس الكبيرة من أخصب الأماكن لتنوُّع نشر الخير قولاً وفعلاً، ومن المعلوم أنّ الحجَّ أكبر المجامع في الإسلام.18-ومن معالم الحج: تقوية جانب الاحتساب في النفس؛ فخروج الحاجّ من بلده ومفارقة أهله وقطع المفاوز، والتنقّل بين المشاعر... كلّ ذلك إذا احتسبه الحاجّ وجاهد نفسه في الحرص على تمام حجّه فقد ظفر بخير كثير، فمن ذلك تمام الحجّ وتحصيل الأجر وتربية النفس على فعل الخيرات.19-ومن معالم الحج: ظهور العبر العظيمة والثمار الجليلة في قصص الأنبياء والمُرسَلين؛ ففي الحجّ تذكيرٌ بليغ بقصة إبراهيم الخليل ؛، ويظهر ذلك جليًّا عند رؤية البيت وتذكّر بناء إبراهيم ؛ له بأمر ربِّه ﻷ، وكذا ما جاء في خبر إسماعيل وهاجر ونبع زمزم، وكذا في خبر إبراهيم عندما عرض له الشيطان فرجمه... كلّ ذلك وغيره يدُلّ دلالةً جليةً على أنّ أعظم العبر إنما تكون في قصص الأنبياء: ﴿ نحن نقصّ عليك أحسن القصص ﴾، ﴿ لقد كان لقصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ﴾.20-ومن معالم الحج: الحرص على عمارة الأوقات الفاضلة وعدم التفريط بشيء منها، وبخاصة ما كان في مواطن الإجابة، ومن الشواهد في الحجّ ما جاء في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «كنتُ رديف النبيِّ × بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقتُه فسقط خطامُها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافعٌ يده الأخرى» أخرجه أحمد والنسائي.21-ومن معالم الحج: التنصيص والتأكيد على مصدر التلقِّي، وقد بيَّن ذلك النبيُّ × بطرق متنوِّعة، منها: قوله: «خذوا عنِّي مناسككم»، «نبدأ بما بدأ الله به»، ومنها: خطب النبيِّ × في عرفات وعند العقبة وغيرها، ومنها سماعُه × وإجابته للسائلين على كثرتهم.. فكلّ ذلك يؤكِّد على أنّ مصدر التلقِّي ليس مُشاعًا لكلّ أحَد، بل مردّ ذلك إلى ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ×، ومن هنا يتبيَّن ضلال من جعل أقوال الرِّجال مصدرًا للتشريع، أو جعل المنامات والخواطر النفسية مصدرًا لكلّ ذلك من الانحراف عن الهدي القويم والصراط المستقيم.22-ومن معالم الحج: تقوية رابطة الوحدة الإسلامية وأنّ قرابة الإسلام هي أعظم القرابات؛ فيرى المسلم إخوانه من شتى أقطار الأرض قد اجتمعوا في صعيد واحد مع تغايُر ألوانهم وألسنتهم وأعمارهم وأجناسهم، ومع هذا كلّه فالجميع تحت المظلّة الإسلامية.23-ومن معالم الحج: أنه يذكر بل ويصوّر الرحيل من الدنيا وأمر البعث تصويرًا عجيبًا، وبيان ذلك: أنّ الميّت ينتقل من دار إلى دار والحاجّ ينتقل من دار إلى دار، والميت يجرَّد من ثيابه والحاجّ يتجرَّد من ثيابه المخيطة، والميت يُغسَّل بعد تجريده من ثيابه والحاجّ يغتسل بعد تجرُّده من ثيابه، والميت يكفّن في ثياب بيضاء والحاجّ يُحرم في إزار ورداء أبيضين، والأموات يقفون في المحشر سواء والحجَّاج يقفون في صعيد عرفات وغيرها سواء... فاستشعار مثل هذه الأمثلة يزيد العبد تكثّرًا من الخيرات وتذكّر الممات.
| < السابق | التالي > |
|---|



























